التسميات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ديداكتيك الفلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ديداكتيك الفلسفة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 12 يونيو 2020

المقاربة المفاهيمية في الدرس الفلسفي

1- المفهوم بوصفه تصورا أوليا:
نستعمل هنا مصطلح المفهوم مقابلا للفظ (Notion)، دون الإحالة على لفظ (Concept) الذي يحمل في دلالته الفلسفية معنى التمثل الذهني المجرد الموحد لمواضيع مختلفة داخل فئة تدرك بها هذه المواضيع من خلال سماتها المشتركة. وللتمييز بين المصطلحين يمكن الاصطلاح على تسمية المفهوم بمعناه الأول، ب"الموضوعة" أو " التصور الأولي"، مادام هذا الأخير يشير إلى تمثل أولي لموضوع ما يتميز بطابع لا نقدي أو إيديولوجي (في هذه الحالة يتحدد التصور الأولي بشكل مقارن مع المفهوم والمقولة  Concept , catégorie بمعناها الفلسفي).
يشير المفهوم/ التصور الأولي إلى التمثل العادي الذي يحمله لفظ ذو معان ودلالات مختلفة على قدر كبير من العمومية والغموض، كما قد يحمل مكونا معرفيا أوليا. يبدو ذلك واضحا عند فحص الصلاحية الفعلية للتصور الأولي وآثاره من حيث هو تمثل. وكما يشير إلى ذلك دوركايم، فإن الإنسان لم ينتظر ظهور علم الاجتماع ليكون أفكارا حول الجماعة والسلطة والمجتمع، لذا يقترح دوركايم تسمية هذه التصورات التي نجدها جاهزة فينا قبل كل فحص نقدي ب"التمثلات المسبقة". لذا يفترض الفحص الفلسفي الاشتغال العقلي القائم على تحليل اللفظ في صيغته العامة على نحو لا يأخذ فيه هذا الأخير صلاحيته الفلسفية الكاملة إلا إذا تم فحصه في دلالاته المختلفة من خلال ما يحمله من حدوس حسية وتمثلات وأشكال أولية ومباشرة للمفهوم. هكذا يكون من المفيد تحليل التصور الأولي واستجلاء ما يحمله من شرائح الدلالة، وصولا إلى بناء مختلف التعريفات واستخراج المفهوم من شوائب العموميات الأولية.

2- تحليل التصور الأولي:
يمكن اعتبار أن الفلسفة انبنت في جزء كبير منها ومنذ البداية على تفكير تركز على المضمون الفعلي للتصورات الأولية العامية المشتركة. وقد أدى هذا التفكير إلى التساؤل حول تكون هذه التصورات وتحويلها إلى مفاهيم فلسفية مجردة وإلى مقولات من خلال الألفاظ والمشكلات النابعة من التصورات الأولية ذاتها.
ومن بين المشكلات الفلسفية المتميزة داخل الحوارات السقراطية نجد الإقرار بالعجز والفشل الحاصلين عن اصطدام رأيين متناقضين يعجز كل منهما على تبرير ذاته عقليا نظرا لارتباطهما بمقاربة جزئية أو مبثورة تحكم عليها مسبقا بالعقم. ينشأ عن المفارقة أو الإحراج الفلسفي مشكل فلسفي يزعزع "السبات الدوغمائي" والطمأنينة الكاذبة اللذان ينتجان عن التصورات الأولية التي تحمل أحكاما مسبقة وجاهزة. ويمكن الإحالة هنا على تساؤل هيوم حول القيمة الفعلية لمفهوم العلة (هل لمفهوم العلة حقيقة موضوعية أو هو مجرد خطاطة ذهنية ترسخها العادة؟) الذي حث كانط على إعادة التفكير في الوضع الفعلي للمفاهيم الميتافيزيقية وفي شروط المعرفة.
إن التفكير في مضمون تصور أولى ما بوصفه وبإبراز الآلية الذهنية والثقافية لتكونه واستجلاء الآثار التي يمارسها، هو شرط إمكان التفكير النقدي (التفكير اعتمادا على الذات) والاستقلالية اللذان يمكنان من إحلال الأفكار التي تحصل عن تفكير منعكس على الذات وعن تحليل عقلاني، محل الأحكام المسبقة والتمثلات السابقة عن الفحص النقدي والقيم الإيديولوجية السائدة التي تغمر اللغة العادية وتبدو وكأنها بداهات محايدة (الفرد، التقدم، التعاقد... كتصورات محددة تاريخيا، الخير، الشر، الجميل، القبيح... بصفتها مشحونة بحمولات عاطفية ونفسية).
من الجلي إذن أن التفكير النقدي الذي يتركز على التصورات الأولية يكتسب مشروعية قصوى مادام الأمر يتعلق بتبديد البداهات الخاطئة والأحكام المسبقة التي تشكل أجوبة جاهزة عن أسئلة غير معبر عنها.

3- لحظة التحليل المفاهيمي/ تحليل التصورات الأولى:
يمثل تحليل المفهوم/ التصور الأولي الخطوة الأولى في الاشتغال على المفاهيم، ويقوم هذا التحليل على تعيين ما يضمه اللفظ الحامل للتصور الأولي وإبراز مختلف دلالاته وتمييزها عن الألفاظ ذات الدلالة القريبة ومقابلتها مع أضدادها. ويتلخص هذا الاشتغال في عمليات التحليل والتفسير والعرض والتعريف.
غير أن البحث في مدلول اللفظ الحامل للتصور الأولي لا ينحصر داخل هذا اللفظ فقط، ذلك أن الاشتغال هنا لا يقتصر على التحليل فقط بل يستمد قوته من فحص العلاقات المتعددة والمركبة التي تربط لفظ التصور الأولي بغيره من الألفاظ. ها هنا يكون من المفيد استدعاء ألفاظ وسيطة تربطها علاقات تضافر مع اللفظ المدروس. ذلك أن هذا الأخير لا يوجد أبدا خارج سياق ووسط لفظي، إذ  تربطه روابط متلازمة وضرورية وخصبة مع ألفاظ مفهومية أخرى، وهي روابط لا يتم إدراكها إدراكا مباشرا، بل تدرك عن طريق التحليل والتفسير اللذين يؤديان إلى تبين طبيعتها. يكون التفكير في المفهوم/ التصور الأولي إذن إدماجا له داخل حقل من العلاقات وإبراز لطبيعة العلاقات الخفية التي تربطه بالمفاهيم الأولية الوسيطة التي تشكل أساس دلالته. فلكي نفكر في لفظ العنف مثلا، ينبغي استدعاء مفاهيم الطبيعة والقوة والعدالة والجور والإكراه والطاعة والدولة والعنف الرمزي والعنف المشروع والعنف الشرعي...
يفضي تحليل المفهوم/التصور الأولى إلى لحظة أساسية تتمثل في تحديد المفهوم الفلسفي، وتتضمن هذه اللحظة مرحلتين: مرحلة التمييز بين الدلالات ومرحلة تحديد التقاطعات بين هذه الدلالات:

·        تعتبر مرحلة التمييز بين الدلالات ضرورية، لأن وحدة اللفظ قد تشير إلى فكرة غامضة أو بالغة العمومية. كما أنها في جميع الحالات لا تضمن وحدة المعنى. فإذا أخذنا مفهوم الشغل مثلا، وجب التمييز بين العمل اليدوي والعمل الذهني والعمل الفني وأشكال الشغل المأجور... فالدلالات المختلفة التي يحملها لفظ " الشغل" غير متكافئة، مما يجعل بناء الدلالة متوقفا على عرض مختلف الحقول التي تشتغل داخلها.

·        مرحلة تحديد التقاطعات، وتتمثل في البحث عن التقاطعات القائمة بين المعاني المختلفة التي يحملها اللفظ، واستخراج الدلالات المشتركة بينها. وهذه المرحلة لا تقل أهمية عن لحظة التحليل، إذ تشكل الغاية الحقيقية لهذا الأخير وتمثل لحظة طرح أسئلة من قبيل: فيم تشترك الدلالات موضوع العرض وفيم تختلف؟ كيف تتيح الدلالة الأولى مثلا، بناء الدلالة الثانية؟ أين يكمن التعارض بين الدلالتين؟. وإذا رجعنا إلى مثال مفهوم الشغل، وجدنا أن هذه اللحظة تفترض تشغيل مختلف دلالات اللفظ وإبراز طابعها الإجرائي وفق حاجيات الاستدلال وضروراته. هكذا سيكون على التحليل أن يرجع إلى العمل القسري لدى العبد أو لدى القن، وإلى العمل المأجور وفق التصور الماركسي... لكي يتبين أن صنفا من الشغل يشكل مصدر استلاب. وما دام هذا البعد لا يستنفد دلالة الشغل، فلا بد أن يمضي التحليل إلى مدلول الشغل لدى هيجل الذي يعتبر أن هذا الأخير يمتلك بعدا مكونا ومربيا، يتيح نوعا من المعرفة والاستقلالية من خلال تشكيل المادة بالخضوع لقوانينها وقوانين صناعة الأشياء. وهنا يمكن التمثيل بعمل الصانع التقليدي أو الفنان، كما يمكن الإحالة على العمل الذهني.

4- التساؤل الفلسفي:
يشكل التساؤل في عملية بناء الدرس الفلسفي اللحظة التي يعود فيها التفكير إلى ذاته بغاية الإحاطة بالمشكل وتحويله إلى موضوع للتفكير. وليس التساؤل هنا سوى محاولة لإدراك مدلول الضرورة الذي يقتضي تحديد السؤال المفروض طرحه للانتقال من مرحلة في التحليل إلى أخرى والكشف عن مشكلة أو مشكلات فلسفية محددة.
وفي هذا الصدد، لا يوجه السؤال مباشرة إلى فيلسوف بعينه إلا إذا تعذر ذلك (كما هو الحال عند نقاش نقدي يتوجه إلى أطروحة فيلسوف محدد). إذ ينبغي طرح المشكل الفلسفي من حيث كونيته، وينبغي أن يتيح ذلك إمكان الإحالة على أي فيلسوف كان – ولو أن باستطاعة فلسفات معينة أن تساعد على معالجة، أحسن لهذا المشكل أو ذاك، مقارنة مع غيرها- فالفلسفة برمتها وفي كونيتها معنية بالسؤال الفلسفي. إن مفاهيم الوعي والرغبة والعنف والفن والحق والعدالة... تثار لدى جميع الفلاسفة، ولو أن الإحالة على بعض الفلاسفة يصعب تفاديها عند معالجة مفاهيم معينة. وفي هذا السياق يفترض توضيح وتفسير الضرورة التي تجعل طرح سؤال ما واردا وربط السؤال بالمشكلة الفلسفية التي يتم بناؤها. إذ ينبغي العمل على عرض وتفسير ما يجعل السؤال ملحا لتبرير العلاقة القائمة بينه وبين المشكلة المعالجة.

5- المشكلة الفلسفية:
تتحدد الفلسفة بقدرتها على طرح المشكلات التي تتشكل بداخل الأسئلة المباشرة والبسيطة. فالتفكير الفلسفي تفكير قلق، إذ يعالج أسئلة لا تقبل الأجوبة النهائية والبسيطة. كما أن التحليل في إطاره يؤجل الإجابة عن السؤال حتى يستطيع تناول المشكلة التي يطرحها هذا السؤال. على أن المشكل الفلسفي يعرف من حيث المبدأ، حلولا يؤدي إليها التحليل تتخذ شكل منطوقات تحمل أطروحات فلسفية؛ أما منشأه فيكمن في مساءلة تتيح استخراج المفترضات القبلية التي يشتغل المفهوم/ التصور الأولي انطلاقا منها، وفي تفكيك لهذا المشكل إلي أسئلة. وهكذا يقع التساؤل في منبع وفي مصب المشكلة الفلسفية.
يبدو السؤال إذن، في سياق تحليل المفهوم/التصور الأولي، الوسيلة المتميزة التي تستعمل بغاية أشكلة التفكير ورصد الصعوبات التي لا يمكن لغير التفكير الفلسفي رصدها. هنا تلعب الأسئلة الكلاسيكية من قبيل أسئلة التعريف والأسئلة المتعلقة بالأصل وبشروط الإمكان، دورا أساسيا. يتضح إذن أن التساؤل يعكس خصاصا ودهشة وبحثا ويفتح حقولا جديدة للتأمل.
6- الأشكلة وبناء المفارقة:
الأشكلة أو بناء المفارقة هي طريقة في التحليل والحجاج يتم من خلالها الربط بين أفكار متعارضة (أو ذات ظاهر متعارض) بغاية إعادة طرح موضوع ما للبحث والتساؤل.
تمكن الأشكلة من إنشاء مواجهة بين أفكار وأطروحات متضادة، لكن التحليل يبين زاوية أخرى للنظر يرفع وفقا لها التضاد أو تضفى عليه النسبية (الحرية والخضوع للقانون يبدوان على سبيل المثال متعارضين إلى حد إقصاء أحدهما الآخر...). وتعتبر الأشكلة أو المفارقة المنهج المساعد على إثارة التساؤل وتكثيفه حول المفهوم/ التصور الأولي وحول المشكلة الفلسفية من حيث أن الأشكلة تقتضي تجاوز التناقضات الظاهرة بغاية الوصول إلى حقيقة أكثر عمقا.
ولبناء المفارقة يمكن اللجوء إلى التقنيات التالية:

·          بناء مواجهة بين آراء ظنية متعارضة بغاية أشكلة الأفكار المسبقة الشائعة حول موضوع ما، والتي تحمل تناقضات ومسبقات يتوجب إعادة مساءلتها. إن بناء المشكلة من خلال وضع رأيين متعارضين والمقابلة بينهما وإبراز أن لكل منهما حجته حول مسألة بعينها، هو ما يستدعي التفكير الفعال ويثير الانتباه إلى صعوبة تستدعي الحل. وترمي تقنية الأشكلة هاته إلى وضع المألوف العامي موضع تساؤل، إذ تقدم الآراء المسبقة ذاتها بوصفها بداهات ملموسة، في حين أنها ليست سوى تعميمات غير مشروعة لمعطيات جزئية. هكذا تهيئ الأشكلة الطريق للتفكير الفلسفي الذي يسعى إلى دحض الدوغمائيات اليومية التي تتواجه وتزعم الإطلاقية، ويسعى إلى إضفاء النسبية على الشهادات المتعلقة بالمعيش وعلى التجارب الشخصية الخاصة.

·           إقامة مواجهة بين رأي دارج وأطروحة فلسفية. ترمي هذه المواجهة إلى إضفاء النسبية على الرأي الظني من خلال عرض أطروحة فلسفية تناقضه. تمتلك هذه المواجهة وظيفة نقدية واضحة من خلال التوتر الذي تقيمه بين نوعين من الأحكام المختلفة فيما يخص نفس موضوع التفكير. على أن مضمون الأطروحة الفلسفية لا يمكن تجريده عن الإشكالية الفلسفية الخاصة التي تشكل شرط إمكانه، كما أن مضمون مفهوم دارج أو رأي عامي لا ينعزل عن السياق الخاص بالتصورات الأولية وعن السياق الإيديولوجي الذي يندرج داخله. لذا، فإن المسافة النقدية-التأملية التي تفرق بين رأي اختباري ونسق فلسفي ما، لا بد من التفكير فيها داخل دائرة التمثلات الذهنية الخاصة بفترة تاريخية محددة، وهي تمثلات منغرسة دوما داخل سياق إيديولوجي. لهذا ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند القيام بمواجهة رأي دارج مع أطروحة فلسفية وتعميق التفكير على أساس هذه المرجعية المزدوجة.

الخميس، 11 يونيو 2020

مفهوم التفلسف:

التفلسف هو عملية نقدية تساؤلية عن معنى و قيمة الحقائق ، بما فيها الحقائق المرتبطة بالوضع الإنساني . إن المغزى العميق لمقولة كانط الشهيرة:" لا يمكننا تعلم الفلسفة ، بل يمكننا فقط تعلم التفلسف " هو أن درس الفلسفة بما هو مجال للحرية العقلية المتمثلة في التأمل النقدي ، يقوم على التفلسف كعملية عقلية ، نقدية ، تساؤلية مستمرة. الغرض منها إزالة البداهة عن الأفكار المألوفة والأحكام المسبقة ، والتخلص من هيمنة الحقائق المطلقة بإعادة النظر فيها وجعلها تتسم بالنسبية والقابلية للتجاوز. فالتفلسف إذن هو "المسار الذي نقطعه من بادئ الرأي (الدوكسا) إلى المعرفة (الإبستمي)" . كما أنه يعتمد على القدرات والإمكانات الذاتية للتفلسف باعتباره ذاتا مبادرة ، فاعلة ، منتجة ، لها القدرة على التفكير الحر وإبداء الرأي وتحديد مسارها التعلمي وامتلاك سلطة تكوينها.

وهنا يبرز مفهوم التفكير الذاتي كتجسيد للحرية العقلية وللتأمل النقدي فهو يسمح للفرد بالتساؤل عن معنى وقيمة وجوده والمشاكل التي تطرحها حياته الشخصية والتزاماته الفردية والجماعية.
        وبهذا المعنى يجد المتعلم نفسه –في إطار التعلم الذاتي-أمام وضعيات- مشكلة تتطلب منه إيجاد حلول لها اعتمادا على معارفه وإمكاناته وقدراته الفكرية وتجعله متورطا في البحث عن مخرج صنعه هو ولم يصنع له. مواجها لكل العوائق المتمثلة في المكتسبات المألوفة والأحكام المسبقة ، موسعا لهامش مبادرته وفاعليته ، وهذا ما يجعله تعلمه يتسم بالإيجابية.

- التعلم الذاتي في درس الفلسفة:

يمكن القول على أن درس الفلسفة هو درس دائم التجديد و التغير ، لأنه يقوم على المساءلة المستمرة بغية التخلص من الأفكار السامة و الجاهزة و هنا نستحضر الفيلسوف "كارل يسبرز" "أن الأسئلة في الفلسفة أفضل من الأجوبة وكل جواب ، هو بداية سؤال جديد"و أيضا يقول الفيلسوف برتراند راسل (1872م - 1970م ) ما يلي.
( إن الفلسفة تستحق أن تدرس ليس من أجل أن نجد فيها أجوبة دقيقة عن الأسئلة التي تطرحها , بما أن أجوبة دقيقة لم يعترف -عامة -بمطابقتها للحقيقة , بل بالأحرى بسبب قيمة الأسئلة ذاتها .) إدن الفلسفة لا تدرس من أجل الأجوبة و إنما من أجل الأسئلة
السؤال مهم و يتابع قوله الفيلسوف راسل قائلا ,( إن الأسئلة الفلسفية تعمل على توسيع تصورنا للممكن , و تثري خيالنا العقلي , و تقلل ثقتنا الدوغمائية التي تغلق الفكر و تسد عليه منافذ كل تأمل[1].

و من الأهمية أن يكتسي الحوار في هذا الإطار ، فلكل واحد سواء كان مدرسا أو معلما ، القدرة على على إبداء الرأي و المساهمة في سيرورة التفكير ضمن عملية التفلسف الذاتي[2].فما هي دلالة هذا المفهوم؟

 



[1] انظر الكتاب المدرسي ، جذوع مشتركة : منار الفلسفة،ص 46

[2]  ميشيل طوزي، كتاب : تعلم التفلسف في ثانويات اليوم ،الفصل الأول" ديداكتيك الفلسفة" ل "فيليب ميريو".مراجعة من طرف الأستاذ " عبد الكريم غريب"و الأستاذ عبد الهادي مفتاح" ،منشورات عالم التربية سنة 2005.

الدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي.

التوجيهات التربوية و البرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي 2007

ما تجدر الإشارة إليه هو أن هذا المنهاج المعتمد حاليا في الاشتغال الفلسفي ، قد عرف انطلاقته الفعلية في نونبر 2007 ، تحت إسم " التوجيهات التربوية و البرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي".

من خلال إطلاعي على هذا البرنامج الذي نحن بصدد الاشتغال عليه ، هو استمرار نفس الأهداف المسطرة تقريبا في المنهاج السابق ، مع إضافة الكفايات التكنولوجية بإمتياز ، لذلك لابد للدرس الفلسفي أن يراعي هذا المعطى أكثر من غيره من الدروس.

لكن الملفت هو حضور مفهوم "الكفايات" بقوة في هذا المنهاج ، وكـأننا أمام نسخة طبق الأصل للبرنامج السابق (1996) ، إذ يتعلق الأمر بتحويل فعل التعليم إلى فعل مساعدة وتيسير لفعل التعلم الذي ينبغي أن يقوم به المتعلم بنفسه (تعلم ذاتي) ، من خلال جهده الخاص ، و تعبئة طاقاته الذهنية و الوجدانية .و استثماره للوسائل و الموارد التي يجب أن توضع بين يديه. يتعلق الأمر بتكوين على الفعل الذهني و الجسدي ، و على الاستقلال ، و القدرة على التصرف أمام وضعيات جديدة لا تقبل الاستدعاء الآلي لمكتسباته السابقة ، وإنما تقتضي الانتقاء و التنظيم و التخطيط و استقصاء مختلف الحلول الممكنة .باختصار يتعلق الامر بتنمية الذكاء و المبادرة والاختيار و المسؤولية.

نخلص من خلال سرد ما جاءت به التوجيهات الرسمية لمنهاج الفلسفة سواء تعلق الأمر ب (1991- 1996-2007) أن الثابت لحد الآن هو اعتماد مبدأ التدرج و الانتقال من البسيط إلى المركب في تدريس مادة الفلسفة،في حين نجد أن الاهتمام بالمفاهيم في منهاج 1996 ، كمحتويات ومضامين و منه يتضح أن هذا البرنامج ليس استنساخ لما قبله ، رغم تقاطعه معه في العديد من النقط المشتركة بالأهداف الإسترتيجية و التواصلية و المعرفية ، التي تجاهلنا تكرارها في هذا الموضوع ، لكن أثرنا التركيز على مفهوم جديد كل الجدة و هو "التعلم الذاتي" الذي يحاول ترسيخه المنهاج الجديد ، عبر خلق مواطن مسؤول قادر على إستدماج مكتسباته المعرفية السابقة في وضعيات جديدة. أي إكساب المتعلم مجموعة من اليات التفلسف (المفهمة-الأشكلة-المحاجة) و العمل بالوضعيات المشكلة و غيرها من الإجراءات التي ليس موضعها هذا الفصل ، إذ سنتطرق إليها بشيء من التفصيل في فصول أخرى قادمة.

ولكن كما يقال دائما "لكل جواد كبوة" فإن هذا المنهاج بدوره معرض لتساؤلات تطرح نفسها بإلحاح ، لكن هاته المرة ليست الفلسفة هي المعنية بشكل رسمي ، حتى وإن كانت جزء لا يتجزأ من المنهاج ، و إنما النظام التعليمي برمته "نموذج تدريس الفلسفة بالمغرب"

فالأمر يسوء يوما بعد يوم ، فبالرغم كل المجهودات المبذولة و التي تبقى عقيمة إلى حد كبير ، على المستوى التنظيري ، و ما يؤكد هذا احتلال المغرب الصفوف الأخيرة في الترتيب مقارنة مع دول لا تعرف الاستقرار ( فلسطين مثلا) .فأين يكمن الخلل إذن ؟ هل في السياسة المتبعة في التعليم ؟ أم أن الأمر يتعلق بقطاع غير منتج و بالتالي لا أهمية تولى إليه ؟ هذا من جهة ، أم من جهة أخرى فدرس الفلسفة يتسم بالانفتاح و حرية التعبير و الاختلاف و تقبل الآخرين كما يروج في المقررات و البرامج الرسمية. إلا أن الواقع شيء أخر ، فهل نصدر حكم قيمة على أن الدرس الفلسفي في المغرب لازال يتخبط خبط عشواء بين الأهداف المعلنة و واقع الحال ؟ أم أنه حكم سابق لأوانه يحتاج إلى مزيد من تعميق البحث و الوقوف على مكامن الخلل؟و ماهي السمات العامة للدرس الفلسفي بالثانوي؟